1 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ

تهميش العلم و العلماء و طلاب العلم بدعوى الجاهلية، إلى متى؟

هنا و في مدونتي سأخصص سلسة كاملة عن آيات من القرآن الكريم تحث العباد على طلب العلم و التفكر و التأمل، فبهذه السبل نعرف عظمة الله ﷻ و قدرته، و لأذكر العاقلين أن الله ﷻ ما ذكر هذا باطلاً سبحانه، حيث لابد أن هذه الآيات ستزيد من إيماننا و تيقنا بوجود الله ﷻ و قدرته على كل شي.

و عليه أحاول أن أذكر كل من يستخف بطالب العلم سواء علم ديني أو دنيوي بأن الرسول ﷺ كان يختلي بنفسه في غار حراء ليتفكر و يتأمل في هذا الكون الرحب و يتعبد الله سبحانه و تعالى، و أن رسالة الإسلام عندما بدأت و على رأسها نزول أول آية من القرآن كان عند تلك البقعة! فلم أيها العاقلون اختار الله ﷻ بقعة التأمل و التفكر و لم يختر الكعبة مثلاً؟ رغم قدسيتها الدينية منذ عهد أبينا إبراهيم عليه السلام! و على العكس كان المجهود الجسدي الذي سيبذله الرسول ﷺ في الوصول إلى الكعبة أقل من المجهود الذي بذله في تسلق الجبل بغية الوصول إلى غار حراء، إضافة على ذلك لما لا نتفكر بأن أول آية نزلت هي “اقرأ”

في الواقع، أشد ما يحزنني هو حال المسلمين اليوم الذين إذا نطقت بما لم يحيطوا به علماً لجموك و أسكتوك، أو استهزئوا بجديدك رغم صحته بغية الاحتفاظ بما نشؤوا عليه، و هنا أوجه رسالتي لطالب العلم الحق فقط، لا تحزن على نفسك بل احزن عليهم؛ لأنهم أضاعوا على أنفسهم فرصة معرفة عظمة الله سبحانه و تعالى و الاستجابة لدعوته بالتعقل و التفكر و التأمل في خلقه جل و علا.

تنويه: شرح الآيات أدناه مستخلص من كتاب التفسير الواضح الميسر بقلم الشيخ محمد علي الصابوني

يقول الله ﷻ في مواضع متعددة من كتابه الكريم:



اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5

سورة العلق

يقول الصابوني في كتابه: “هذا مطلع السورة و فيها دعوة صريحة إلى العلم و إلى القراءة و الكتابة، أي اقرا يا محمد القرآن مستعيناً باسم ربك الذي خلق جميع المخلوقات،ثم فسر كيفية الخلق تفخيما لشأن الانسان على وجه الخصوص بقوله “خلق الانسان من علق” أي خلق جنس الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات، بهذا الشكل البديع، من العلقة التي تشبه الدودة الصغيرة، و قد أثبت الطب الحديث أن النطفة التي خلق منها الانسان ، تحتوي على حيوانات منوية تشبه الديدان الصغيرة، لها رأس و ذنب و لا ترى بالعين المجردة، و أنما ترى بالمجهر الدقيق، واحد من هذه الملايين من الحيوانات المنوية يلتقي بالبويضة و يدخل الرحم فيعلق بجداره و منه يخلق الانسان العاقل”

ثم قال تعالى ” اقرأ و ربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم”، أي يا رسول الله اقرا و ربك العظيم الجليل الكريم، الذي علم بني آدم القراءة و الكتابة و علمهم ما لم يكونوا يعلمون، فهل لَبَيتُم الدعوة؟ و هل انصعتم لأوامر الله جل جلاله بالقراءة و الكتابة و طلب العلم؟ يا ترى! لمَ أنزل الله سبحانه هذه الآيات في بداية الرسالة المحمدية؟ و لِمَ لَمْ يبدأ بآيات أخرى؟ فلنتعقل و لنتفكر في كلام الله سبحانه و تعالى.


 وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

سورة فاطر

دققوا على ذك الجزء الصغير من الآية و هو “إنما يخشى اللهَ من عبادهِ العلماءُ”، و من الضروري إحكام الحركات في هذه الآية، حيث يقصد من هذه الآية أن عباد الله العلماء أشد خشية لله ﷻ عن سائر العباد، و أن خشية الله و مراقبته هي من خصال المتقين ، و من منا لا يبغي أن يكون من المتقين! و الأهم هنا هو تنويه القارئ على الآية التي سبقتها و هي “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)“، و عليه فإن هذه الآية دليل صريح على أن كل من علوم النبات و الجيولوجيا و الكون و ما تبعه في الآية 28 من علوم الأقوام و الشعوب و الدواب هي علوم قد أُمرنا بالتعقل و التفكر و البحث فيها، فهي علوم تؤدي إلى معرفة الله ﷻ، هنا رسالة لمن يهمش العلم الدنيوي بدعوى أن الله يحث على طلب العلم الشرعي فقط! و هذا غير صحيح، فالله ﷻ الذي أمرنا بالتعبد و تعلم عقيدته هو الله ﷻ الذي أمرنا بالتفكر في باقي خلقه، فعلينا الحفاظ على هذا التوازن بين الاثنين، ولا ننسى دعاء الرسول ﷺ: “اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ….. وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، ….” أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. و قوله ﷻ “مِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201) سورة البقرة، فلا أظن أن تهميش علوم الدنيا هو الخيار الصواب لأن فيها معاشنا و عملنا الصالح لننال الجنة في الآخرة بإذن الله، فنسأل الله أن يرزقنا العلم الذي ينفعنا في ديننا و دنيانا.


 أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

سورة الحج

و هنا يوجه الله سؤالاً استنكارياً للطغاة، أفلم يسافروا هؤلاء الطغاة و يتنقلوا بين البلاد فيسمعوا ما حدث بالأقوام السابقة؟ أين عقولهم؟ أين آذانهم و أين أبصارهم؟ و لكن للأسف الشديد العمى الحقيقي ليس في البصر و انما في البصيرة، إن ما يدعوا إليه الأفراد اللاجمين لفم المتعلم أو الباحث إنما يقومون بطمس بصيرتهم، فبدل أن يَتَمعنوا في العلم و تبصره بقلوبهم و عقولهم فقد اختاروا أن يخرسوه و يوقفوه،ألا تخشون أن تكونوا كالذين سبقوكم من الأقوام؟ فكيف نخشى الله بما عذب به الأقوام السابقة دون البحث في تاريخهم؟ و هنا دعوة أخرى للبحث في علم الشعوب و تاريخهم و التنقيب عن آثارهم ما نتعظ به لا ما نتفاخر به.


وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

سورة الأعراف

فضلنا الله ﷻ عن باقي خلقه بالعقل، فإذا همشنا عامل العقل فنحن كالأنعام بل أضل! على الأقل الأنعام لا عقل تفقه به و إنما العتبى على من ألغى عقله فأصبح أسوأ مقاماً من الأنعام، ففي الآية السابقة توضيح لحال الإنس و الجن الذين همشوا عقولهم و أبصارهم و آذانهم عن ما ينفعها و يضرها! أفليس العلم سبيلنا لمعرفة الحق؟ نحن مسلمون شهدنا بوحدانية الله و لكن من منا يأمن الفتن؟ العلم يقربنا إلى الله سبحانه و يسلحنا من شرور الفتن فيقوي إيماننا و يثبتنا. بالعلم ننفي عن أنفسنا صفة “كالأنعام بل أضل”.


 إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)

سورة الأنفال

مرة أخرى ذم الله تعالى من الخلق الذين لا يعقلون بوصفهم “شر الدواب” أي أسوأ من الدواب، فلماذا نتعقل؟ و لماذا نتفكر؟ و لماذا نتأمل؟ إذاً هنا أمر من الله بأن نُفّعِل عقولنا و نتفكر لنُمَيِز ما نسمع من الحق و ننطق به.

سأكتفي بهذا القدر في هذه المدونة، و إن شاء الله سأجتهد أكثر في نشر باقي هذه السلسلة، و نسأل الله تعالى التوفيق و .أن يرزقنا من العلم ما ينفعنا و لا يضرنا

2 Comments

  1. قدر هائل من الابداع و الترابط الفكري في هذه المدونة.. اتمنى لك التوفيق و الاستمرار في تسلق سلم النجاح.. في انتظار القادم ان شاء الله..

    Liked by 1 person

  2. “بغية الاحتفاظ بما نشؤوا عليه”
    فعلا ،،
    وبرأيي هذا أهم أسباب تدهور الأمم وسبب من أسباب الفهم الخاطىء للدين ..

    بوركت جهودك يا مبدعة 💐

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s